الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
71
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
العقل ولا لغوية في التأكيد ، هذا أوّلًا . وثانياً : لا حاجة في وجوب المقدّمة إلى جعل واعتبار فعلي من طريق الخطابات الأصليّة ، بل يمكن كشف حكم الشارع من ناحية كشف الإرادة ، أي من ناحية كشف مبادئ الحكم ووجود ملاكه فإنّه يساوق الحكم نفسه ، كما سيأتي بناءً على قول المنكرين للترتّب من أنّ تزاحم المهمّ مع الأمر بالأهمّ يوجب عدم فعليّة الأمر بالمهم ، ولكنّه مع ذلك لا يوجب بطلان المهمّ العبادي بعد ترك الأهمّ لوجود الملاك . وأمّا الأوّل : فلأنّه لا إشكال في أنّ الفعل التسبيبي أيضاً يعدّ فعلًا للمولى كالفعل المباشري ويستند إلى المولى ، وإذن كيف يمكن أن يتسامح الفاعل في مقدّمات فعله ، فإن أراد المولى صعود العبد إلى السطح جدّاً فلا محالة يريد نصب السلّم وغيره من المقدّمات أيضاً ، نعم قد يكون وضوح الإتيان بالمقدّمات بحيث لا يحتاج المولى إلى مزيد بيان ، ولكن لا بمعنى أنّه لا يريدها بل بمعنى وضوح إرادتها . هذا كلّه في الوجه الأوّل ، وقد ظهر تماميّته . الوجه الثاني : أنّ الوجدان أقوى شاهد على أنّ المولى إذا أراد شيئاً له مقدّمات ، أراد تلك المقدّمات لو التفت إليها بحيث ربّما يجعلها في قالب الطلب ، ويقول مولوياً : « ادخل السوق واشتر اللحم » مثلًا بداهة أنّ الطلب المنشأ بخطاب « ادخل » مثل المنشأ بخطاب « اشتر » في كونه بعثاً مولوياً ، فحيث تعلّقت إرادته بشراء اللحم ترشّحت منها له إرادة أخرى بدخول عبده السوق بعد الالتفات إليه وأنّه يكون مقدّمة له كما لا يخفى « 1 » . وهذا الوجه تامّ أيضاً ولا يرد عليه الإشكال بلزوم اللغويّة ، لما مرّ من أنّ الأوامر الشرعيّة كثيراً ما تكون تأكيداً للواجبات العقليّة وأنّ عدم الحاجة إلى البيان في بعض الموارد ووضوحه لا يكون دليلًا على عدم إرادة المولى .
--> ( 1 ) . انظر : مطارح الأنظار ، ص 83